أحمد المرشد
انتقلت ساحة المواجهة بين إيران من جهة و”إسرائيل” والولايات المتحدة من جهة أخرى، من المكان الحقيقي للحرب وهو الأرض أو الساحة المفترضة للقتال، الى ساحة بعيدة تماما عن ميادين الحرب وهي ساحة “الإعلام”. فالمراقب يشعر وكأنه أمام ألعاب كمبيوترية للأطفال “جيمز” مع الفارق في الشد العصبي والنفسي للاعبين والمشاهدين.
فعندما نقلت “إسرائيل” عبر صحيفة “نيويورك تايمز”، أنها بصدد توجيه ضربات وقائية أو استباقية ضد مواقع نووية إيرانية، ثم ردت إيران بوابل من التحذيرات والتهديدات، نكون قد انتقلنا الى حالة نسميها “الحراك الساكن”. فلا “إسرائيل” قادرة على توجيه ضربة عسكرية لإيران بمفردها من دون الولايات المتحدة التي تتخبط في مشاكلها بالعراق وأفغانستان، ولا نحن على يقين ازاء الموقف الإيراني من الناحية الجاهزية القتالية لشن عمليات عسكرية ضد “إسرائيل”. هذا بغض النظر عن حشد كل طرف لإعلامه المرئي والمكتوب لبث الرعب لدى الطرف الآخر، عبر تضخيم إمكاناته العسكرية المتمثلة في صواريخ عابرة ومقاتلات وخطط ومخابرات.. الخ.
غير أن الملاحظ هذه المرة ان التهديدات “الإسرائيلية” لإيران تراجعت من آنية الضربة الى ربما شنها خلال عام من الآن. التسريب الأخير جاء على لسان شافتاي شافيت الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات (الموساد) بقوله إن بلاده لديها عام واحد لتدمير المنشآت النووية الإيرانية وإلا ستواجه، أي “إسرائيل”، خطر التعرض لهجوم ذري إيراني، وإن أسوأ السيناريوهات هو ان تمتلك إيران السلاح النووي خلال عام. كلام شافيت من الناحية العملية ليس لا يحمل نية توجيه ضربة، وإنما يدخل في إطار الحرب النفسية الموجهة من جانب أمريكا و”إسرائيل” لإيران. هذه الحرب النفسية هي جزء من الحرب الحقيقية، لأن التلاعب بأعصاب الخصم يدخل في عداد إرباكه معنويا ونفسيا، وبالتالي شل قدرته على توجيه رد فعل سليم.
ولا نزال نتحدث في إطار الحرب الإعلامية، فالتصعيد الحالي بين “إسرائيل” وإيران، دفع الأخيرة إلى توجيه تحذير إلى تل أبيب من العواقب الوخيمة، مثل تعرض مفاعل ديمونة لصواريخ من طراز “شهاب 3” التي يصل مداها إلى 1250 كيلومتراً. وشمل التحذير الإيراني تهديداً لمسارات النفط بالخليج، وشن عمليات ضد الدول الإقليمية التي ستشارك في الهجوم أو تقدم مساعدات لوجستية للمعتدي “الإسرائيلي” أو الأمريكي.
نحن إذاً أمام حرب إعلامية حامية الوطيس، ويدخل العسكريون والسياسيون طرفاً فيها، والمهم ان “إسرائيل” عندما تهدد، فإنها تتعرض لتهديدات هي الأخرى، بأنها ستقع في مرمى الصواريخ الإيرانية وانها يكفيها ما عانته صيف 2006 أمام حزب الله.
وبعيدا عن أجواء الحرب النفسية، فالحاصل أن “إسرائيل” نفذت مناورات جوية حقيقية للتدريب على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، شاركت فيها أكثر من 100 مقاتلة من طراز “إف 16” و”إف 15” ومروحيات وطائرات إمداد وقود. وحسب تسريبات صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، فإن عدداً كبيراً من المسؤولين الأمريكيين يميلون الى الاعتقاد بأن المناورات “الإسرائيلية”، التي نفذت على امتداد المنقطة الشرقية من البحر المتوسط وفوق اليونان، تبدو وكأنها محاولة لتطوير قدرات الجيش “الإسرائيلي” على تنفيذ ضربات طويلة المدى للتأكيد على جدية موقف “إسرائيل” من البرنامج النووى الإيراني.
توجيه رسالة “إسرائيلية” لأمريكا وأوروبا بأن تل أبيب جادة للتحرك عسكرياً إذا استمر تعثر الجهود الدبلوماسية لمنع إيران من إنتاج قنابل نووية. هذا رغم اعتقاد الغرب بأن “إسرائيل” لم تتخذ بعد قراراً مؤكداً بشن ضربات جوية ضد المفاعلات الإيرانية. وكذلك يسود اعتقاد آخر بأن هذه الضربة ليست وشيكة.
استغلال المناورات لتوجيه رسالة رعب وقلق لإيران، وأن تل أبيب لن تقف مكتوفة الأيدى حتى تنتهي إيران عملياً من تخصيب اليورانيوم، وانها ستبادر الى اتخاذ القرار المناسب وفي الوقت المناسب، حتى وان لم يكن هناك استعداد فعلي لشن هجمات فورية.
أما إيرانياً، فالموقف يختلف، بل يتناقض مع التطورات “الإسرائيلية”، ونستطيع إجمال ذلك في الآتي:
الحديث عن توجيه ضربات جوية “إسرائيلية” لمنشآت إيرانية هو مجرد كلام وتهويل، لأن “إسرائيل” غير قادرة على شن عمل عسكري بمفردها، وان هدف تل أبيب من وراء ذلك ليس سوى محاولة إعادة بناء معنويات الجيش “الإسرائيلي” التي دمرت في الحرب على لبنان صيف 2006.
أي هجوم ضد إيران لا يمكن ان يقوده سوى القوات الأمريكية، وهذه القوات عاجزة الآن باعتبار أن أي هجوم عسكري على إيران لن يكون سهلاً أو مجرد نزهة، ولا يمكن ضبط قوة ودائرة الرد الإيراني عليه.
واشنطن لا تريد ان تخرج الأمور في المنطقة عن نطاق سيطرتها، لأن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون بمثابة تخريب لكل الخطوات الايجابية التي أنجزت حتى الآن في الملفات الإقليمية.
تأكيد إيران قدرتها على صد أي هجوم أمريكي “إسرائيلي” ضدها، بل وتوجيه ضربات موجعة ضد تل أبيب والقوات الأمريكية في العراق.
تصريح د. محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بان توجيه ضربة ضد إيران سيحول المنطقة الى كرة من اللهب، وسيجعل إيران أكثر تصميما في مواجهتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي.
محاولة الأمريكيين إرساء معادلة مختلفة عن المنطق “الإسرائيلي”، وهي معادلة تقوم على الحوار وتستند الى مبدأ العصا والجزرة.
حصول إيران على الرادار الروسي الذي يرصد الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، وهذا من شأنه تأمين المنشآت النووية وإعاقة أي هجوم “إسرائيلي” محتمل.
وإذا كنا نتحدث عن حرب وويلاتها ودمار شامل وغياب دول عن الخريطة السياسية وما شابه ذلك، فإن هناك حديثاً إيرانياً آخر قد حذر الأمريكيين الذين سيأتون للحرب ضد إيران، بأنهم يجب ان يحضروا معهم عكازات وسيقاناً صناعية لأنهم إذا جاؤوا فلن تبقى لديهم أرجل او أقدام يعودون بها. إنها مجرد قذيفة أخرى في الحرب الدائرة على الساحة الإعلامية.