رضوان السيد
أشار الرئيس السوري بشار الأسد في حديثٍ له قبل أيام، إلى أنّ المنطقة تشهد تطورات إيجابية: من التهدئة في غزّة، وإلى المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وإلى انتخاب رئيسٍ جديد في لبنان بعد فراغٍ في موقع الرئاسة دام ستة أشهُر. وما لم يَقُلْهُ الرئيس الأسد، لكنه كان واضحاً في سياق الحديث أنّ سوريا كانت صاحبة دورٍ "إيجابي" وما تزال في كلّ هذه التطورات: بتأثيرها على "حماس" في غزّة، وبإقبالها على التفاوُض مع إسرائيل بدلاً من الاستمرار في دعم المقاومين لها بالسلاح، وبدفعها أنصارَها من قوى المعارضة اللبنانية للتوقُّف عن مَنْع انتخاب الرئيس. وكان بوسع الرئيس السوري أن يُضيفَ إلى العناصر "الإيجابية" التي تظهر في المنطقة: الإشراف على إتمام صفقة تبادُل الأسرى والجُثَث بين "حزب الله" وإسرائيل. لكنّ إعراضه عن ذلك ربما كان لأنّ سوريا لم تُسْهِمْ بالفعل في إتمام هذه العملية؛ بل انفرد بها "حزبُ الله"! وظاهرٌ من هذا الاستعراض أنّ الرئيس الأسد إنما كان يوجِّهُ رسالةً ودودةً إلى العالم الغربي، وإلى واشنطن بالذات. وقد طالَبَ بالفعْل في نهاية الحديث بأن تحظى المفاوضات السورية/الإسرائيلية برعايةٍ أميركية، وهذا شرطُهُ الوحيدُ -كما قال- لكي تتحولَ المحادثاتُ بين الطرفين إلى مفاوضاتٍ مُباشِرة.
بيد أنّ موضة المفاوضات هذه، والتي امتدَّتْ إلى كلِّ مكانٍ؛ بما في ذلك العراق، لا تُحيطُ بمجمل التطورات بالمنطقة، أو بعبارةٍ أُخرى: إنّ القضية الفلسطينية ومتفرعاتها ما عادت هي عنصر التوتر الوحيد أو الرئيسي فيها. فالعالَم -وعلى رأسه الولايات المتحدة- مشغولٌ أكثر هذه الأيّام بأزمة النووي الإيراني، ومشغولٌ بأخطار تصاعُد أسعار النفط على الاقتصاد العالمي. وهناك من يذهب إلى أنّ الملفَّ النفطيَّ الخطيرَ ذاته هو من متفرعات الأزمة النووية العتيدة. فقبل أيام هدَّد قائد الحرس الثوري الإيراني العالَم -إن هاجمت الولايات المتحدة إيران- بأمرين: تعطيل مضيق هُرمُز الذي يُصدَّرُ من طريقه 40% من نفط الخليج وإيران، وبتضامُن "حزب الله" مع إيران بقصف إسرائيل، إنْ حصلت الضربة، للارتباطات العقائدية والاستراتيجية بين الحزب ودولة ولاية الفقيه!
وصحيحٌ أنّ قائد القوات الأميركية بالمنطقة ردَّ على جعفري بأنّ الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بسَدِّ مضيق هُرمُز. لكن الكويت ذكرتْ أنها تفكّر ببدائل لتصدير نفطها غير المضيق المذكور. كما أنّ الأوروبيين أبْدوا قلقاً شديداً من الارتفاع غير المبرَّر لأسعار برميل النفط، وعَزَوا ذلك للتهديدات المتبادَلة بين الأميركيين والإيرانيين. وجاء تصريح علي أكبر ولايتي المستشار الأول للسيد الخامنئي ليزيد من التوتر بينما كان هدفُهُ التقليل من شأن تصريحات جعفري قائد الحرس، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. قال ولايتي إنه لا مبرِّر لسدّ كلّ الآفاق أمام الخيارات المُتاحة بدون استخدام القوة، وعلى أيّ حال فالقرار النهائي لا يتّخذُهُ الرئيس نجاد بل الوليّ الفقيه! إذ فَسَّرَ مراقبون أميركيون ذلك بأنّ إيران تأخُذُ مسألة الهجوم عليها مأخذ الجِدّ، وهي تفكّر بصوتٍ عالٍ في كيفيات الردّ إنْ حَصَلَ الهجومُ المذكور، وولايتي يشير إلى أنّ القائد الأعلى للدولة على مشارف اتخاذ قرارٍ خطير!
يقول الأوروبيون إنهم هم أيضاً معنيون بأن لا تحصُلَ إيران على إمكانيات إنتاج سلاحٍ نوويٍّ، يُهدِّدُهُم أكثر مما يُهدِّدُ الولايات المتحدة. ويضيفون أنّ الضربة إن حصلتْ فَسَتؤدّي حُكماً إلى انهيارٍ للاقتصاد العالمي لما تُسبِّبُهُ من ارتفاعٍ غير معقولٍ في أسعار النفط. وإذا استطاعت إيران الردَّ بعد الضربة الأولى فسيُضافُ لذلك خرابٌ كبيرٌ بالمنطقة؛ لأنّ النزاع إذا تطوَّر فمعنى ذلك أنّ عدةَ أطرافٍ سوف تُشاركُ فيه، ومنها إسرائيل و"حزب الله" وأنصارُ إيران بالعراق، وربما في دولٍ عربيةٍ أُخرى. ولذا فقد تسلَّلَ إلى أقلام كُتّابٍ استراتيجيين أميركيين وغيرهم الرأْيُ القائل إنّ الدول إنما تُنتج النوويَّ ليس لمهاجمة طرفٍ آخر أو أطراف؛ بل من أجل الردْع وإثبات الهيبة. ولذا فإنّ المُخاطرةَ بترك إيران تُطوِّرُ قُدُراتٍ نووية، هي أقلُّ حجماً من المُخاطرة بالهجوم على إيران!
فما هو المخرجُ إذن، وما معنى الإقْبال على المفاوضات وسط هذا التأزُّم الكبير؟ الأميركيون لا يُبدونَ حماساً شديداً للحلول التفاوَضية مع الدولة العِبْرية ومن حولها. وقد صرَّح الأميركيون مراراً بالمُعارضة أو التحفُّظ على مدّ الحبْل لسوريا من جانب إسرائيل وتركيا. والإسرائيليون أنفُسُهُم والسوريون أنفُسُهُم يقولون إنهم يحسبون الحساب لمفاوضاتٍ طويلة وشاقّة. أما الفلسطينيون؛ فإنّ التهدئة ما تزالُ في بداياتها فضلاً عن أنّ موضوعات الحلّ النهائي مع إسرائيل تُواجهُها عقباتٌ كثيرةٌ تحولُ دون الوصول إلى شيء جادٍّ فيها من مثل الحدود والمياه والمستوطنات والقدس. ثم إنّ المشكلة داخل الصفّ الفلسطيني أو الاصطفافَين صارت لا تقلُّ صعوبةً عن المشكلة مع إسرائيل! والواضحُ على أيّ حالٍ أنّ الوصولَ إلى الدولتين ليـس أَولويةً لدى الأميركيين والإسرائيليين، رغم حماس بوش لحـ الدولتين، بل الأَولويةُ للمشكلة النووية مع إيران، وهناك إجماعٌ أو شبهُ إجماعٍ في أوساط العسكريين والاستراتيجيين أنّ الفرصة المتاحة لإيجاد حلِّ بالتفاوُض وبالدبلوماسيَّة لها لا يتجاوزُ العامَ الواحد!
لكنّ الأوروبيين عامةً والروس وبعض العرب، ما يزالون يُراهنون على الضغوط بالعقوبات، وبالمبادرات والمفاوضات. ولا يريد أحدٌ أن يعتبر نفسَه مسؤولاً عن الحلّ بالقوة للسببين سالفَي الذكر. فمحمد البرادعي الذي تُساورُهُ الشكوكُ بشأن البرنامج النووي الإيراني، هدَّد مع ذلك بالاستقالة، إنْ جرى اللجوءُ للقوة. والرئيسُ الفرنسي الذي قال إنّ فرنسا لن تَسمحَ بإيران نووية، ما ذكر بالتحديد كيف يمكنُ مَنْعُها من ذلك. وإيران حتى الآن مستعدّةٌ للتفاوُض، وعدم القطيعة، لكنها ذكرت صراحةً عشرات المرات، أنها لن تُوقِف التخصيب!
هناك إذن اتّجاهٌ شاملٌ لمنع إيران من صناعة القنبلة. لكنّ أحداً – باستثناء أفراد من إدارة بوش- لا يريد اللجوء إلى القوة، ليس حباً بإيران، بل خوفاً على أسعار النفط، وخوفاً من التداعيات على المنطقة!
هكذا، وبغضّ النظر عمّا يمكن أن يحدث بين إيران والولايات المتحدة، هناك ثلاثة أسباب للمخاوف والتوجُّسات العربية، رغم المفاوضات المندلعة في كلّ مكان؛ أولُ الأسباب أنّ القضية الفلسطينية ما تزالُ بعيدةً عن الحلّ أو الوصول إلى مستقرّ. وثاني الأسباب أنّ التوتُّر بين الولايات المتحدة وإيران أحدث حالةً من الاضطراب والاستنفار في المنطقة، من العراق إلى لبنان وفلسطين ونواحٍ أُخرى. وسواءٌ انتهى ذاك التوتُّر إلى صِدام مسلَّح أو تسوية، فإنه يشكّل أخطاراً على المشرق العربي والخليج، ينبغي التحسُّب لها اعتباراً بالتطورات التي جرت. وثالث الأسباب أن ّالمعارضات بالمنطقة العربية تتحول إلى انشقاقاتٍ وتشرذُماتٍ تصير كلُّها في النهاية لاستخدام العنف المسلَّح بالداخل، وليس ضد العدوّ فقط. والأمر يتطلبُ أكثر من صفقةٍ ضعيفة الاحتمال الآن بين الولايات المتحدة وإيران، ربما في عهد الرئيس الأميركي القادم، تُعيدُ الهدوءَ الذي يتلاعب به الأميركيون والإيرانيون.
فالمطلوب الآن، وقبل أيّ شيء، إيقاف التفتُّت والاضطراب، والخروج من حالة الاصطفاف بين الحكومات العربية ومعارضاتها، والإقبال على التنمية الجبّارة. وهي الركنُ الآخَرُ للاستقرار، بعد الركن السياسي. وعلى وقْع هذه الاحتمالات والخيارات، وكيفيات التعامُل معها، يبقى هذا الاستقرار الهشّ أو يزول بالتدريج.